top of page
Search
  • Writer's pictureAfrah Alsaeedi

السمك واللبن وصناعة القرار!



تعد عملية صنع القرار واحدة من أهم العناصر في نجاح واستدامة أي مؤسسة حيث تمثل هذه العملية النقطة الحاسمة التي تحدد المسار وتوجيه الموارد نحو تحسين الأداء وزيادة الكفاءة وتحقيق الأهداف المنشودة، كما تساعد استراتيجيات اتخاذ القرار في التعامل مع المخاطر المحتملة، لذلك تستدعي هذه العملية ضرورة اتباع استراتيجيات دقيقة وتفكيرًا شاملاً لضمان اتخاذ القرارات الصحيحة في الوقت المناسب.


ولتسهيل صنع القرار نظريا، تم تقسيم المشاكل بشكل عام لمشاكل معتادة روتينية متكررة سبق وتم مواجهتها وإيجاد الحل المناسب لها ومشاكل جديدة لم يتم التعرض لها مسبقا، وكلا النوعين يمر بذات الخطوات والاستراتيجيات تبسيط المشكلة للحصول على قرار صحيح، ومن أهم الخطوات هي تحديد ومعرفة ماهي المشكلة وجمع البيانات عنها، ومن ثم تحديد الخصائص التي يعتمد عليها اتخاذ القرار، وزن هذه الخصائص وتحديد أولوياتها، إيجاد بدائل للحل، تقييم البدائل والاختيار الأفضل بينها حسب الألويات التي تم تحديدها مسبقا، ادخال القرار حيز التنفيذ ومتابعته وتقييم نتائجه لاحقا، وهنا إما يتم اعتماده كحل فعال أو اختيار البديل المناسب.


أما واقعيا، تختلف الأسباب المؤدية لصنع القرار نظرا لعدة ظروف منها عامل الوقت الذي يمنع المسؤول من تتبع المراحل سالفة البيان، فإما يكون قراره مبنى على المعيار الأنسب له وقد يختلف هذا المعيار من شخص لآخر نتيجة الخبرة مثلا، وقد يكون بالقياس مع حادثه قد تكون مشابه تتفق مع ظروف المشكلة لحد كبير، وبكل الأحوال قد تتعرض هذه القرارات للأخطاء البشرية، فقد يكون القرار نتيجة التحيز المعلوماتي الشائع وهو الميل لاعتماد رأي شخصي نتيجة معلومة شائعة ومؤكده لدى صاحب القرار دون مراعاة وجهات النظر الأخرى، ومثال على ذلك عادة مكتسبة لدى معظم الشعوب العربية وهي عدم جواز شرب اللبن مع أكل السمك، لا يوجد بحث علمي يؤكد ذلك ولكن جرت العادة على اتباع هذا العرف، فيتم اخيار قرار عدم الجمع بين السمك واللبن! والخطأ الآخر هو التحيز التأكيدي، وهو الميل إلى البحث عن معلومة تغذي رأي المسؤول والتمسك بها، حتى لو كانت غير مؤكدة فيقوم بإلغاء ما يتعارض معها ومثال على ذلك ما يقوم به المدخنين من التمسك بدراسة ما تثبت أن التدخين لا يضر بالصحة، فلا يكتفي حينها بالتدخين، بل يقوم بالترويج له! والعديد من الهفوات التي قد يقع فيها متخذي وصناع القرار كالتحيز للتفكير الذاتي والاعتقاد بأن الجميع لديهم نفس التفكير والميول، كذلك الاعتماد على الذاكرة والتي قد تخون المسؤول في إمكانية استدعاء جميع المعلومات ذات الصلة بالموضوع.


لذلك، وكما تبين ان عملية صنع القرار صعبة مرتبطة بعدة جوانب منها النفسية والاجتماعية وبيئة العمل وغيرها من الجوانب التي من شأنها تؤثر على متخذي القرار بصورة مباشرة أو غير مباشرة، وعندما نتحدث عن واقع الحال في المؤسسات الحكومية نجد ان هناك عوامل أخري تكاد أن تكون لم تدرج في دراسات سابقة حيث تواجه المؤسسات تحديات بيروقراطية تعيق عملية اتخاذ القرارات السريعة الضرورية وغالبًا ما يكون هناك تعقيد في الإجراءات والأنظمة، مما يؤدي إلى بطء في التنفيذ، كذلك التحديات المالية نتيجة لتقلبات أسعار النفط والتبعات الاقتصادية العالمية، الأمر الذي يمكن أن يؤثر على قدرة الحكومة على تمويل مشاريع وبرامج جديدة، فيتطلب اتخاذ قرارات ذكية واقتصادية، بالإضافة إلي تدخلات أصحاب النفوذ في صنع القرار، وهذه الأخيرة تعارض المذهب النفعي وهو النظرية الأخلاقية التي تنص على اتخاذ القرار يجب أن يكون لما هو في صالح المجتمع، ولا يمكننا تجاهل الدور الذي تقوم منصات التواصل الاجتماعي في التأثير على متخذي القرار، سواء محليا أو على مستوى العالم.


ختاما، يعتبر اتخاذ القرار في المؤسسات عملية معقدة تتطلب تفكيرًا عميقًا وتحليلًا دقيقًا، من خلال تبني استراتيجيات فعالة واعتماد على البيانات والتحليل، كي تتمكن المؤسسات من تحقيق النجاح والاستمرارية.


جريدة السياسة - العدد ١٩٣٣٧ - صفحة ٦ - تاريخ ٢٣ أغسطس ٢٠٢٣



85 views0 comments

Recent Posts

See All

اربط الحمار وين ما يبي المسؤول!

للمرة الاولى أكون في حيرة من أمري عن الموضوع الذي سأتناول بمساحتي في “السياسة”، هل أكتب عن القيم المستفادة خلال العام المنصرم، أم عن كيفية بداية عامٍ جديد؟ لكنني وجدت نفسي أكتب عن تجربة حقيقية مررت به

قيادي مع وقف التنفيذ

يقول الدكتور غازي القصيبي، رحمه الله، في كتابة “الوزير المرافق” عن الرئيس الأميركي السابق جيمي كارتر “لا يبالغ المرء إذا قال إن كارتر كان يقضي وقتاً طويلاً يندر أن يستطيع رئيس دولة أخرى يقاربه، لو أن

Comments


bottom of page