top of page
Search
  • Writer's pictureAfrah Alsaeedi

الموظف الثعبان

كان في إحدى المرات موظف ذات كفاءة عالية، مجتهد، فنان في أداء مهماته الوظيفية، لكن شاءت الأقدار أن يكون يحب إثارة النعرات، ونشر الشائعات، ونقل الكلام مضيفاً “شوية بهارات”، وينشر الشائعات حول زملائه أو الإدارة، فيسبب انعدام الثقة وتشويش العلاقات، ويمتهن الانتقاد السلبي فيتوتر أعضاء الفريق ويضعف الانسجام بينهم إلى أن يتلاشى.

كما انه يختلق تحالفات سرية ظاهرها مصلحة المؤسسة والقيمين عليها، وباطنها تحقيق مصلحته الشخصية، ما يضع هذا الموظف مسؤوله في حيرة من أمره، بين الدقة في إنجاز العمل وبين الإخفاق في نقل تفاصيل الحدث، بين الابداع في التفكير والفشل في قول الحقيقة.

بعض المسؤولين يتغاضون عن أخلاق الفتّان (ثائر الفتنة وليس المقصود بالجميل) من أجل ابداعاته وانجازاته، متناسياً الأثر السلبي الذي سيتركه هذا الفتّان في بيئة العمل، والنوع الثاني من المسؤولين يفضّل اقصاء الفتّان من البداية، حفاظا على بيئة العمل.

أما النوع الأخير من “القادة” هم الذين يحتفظون بالفتّان للاستفادة من قدراته محافظين في الوقت ذاته على تماسك فريق العمل، وخط سير المؤسسة.

بعيدا عما ذكره المهتمون في السلوك المؤسسي عن كيفية التعرف على الموظف الفتّان، فمن واقع خبرة، فان سلوكه عكس نواياه، أي أنه حلو اللسان، هادئ الطباع، بطيء الحركة، صاحب ابتسامة مصطنعة.

يبدأ حديثه معك عن انجازاتك، وضرورة بذل المزيد من الجهد للوصول لأعلى المراتب، ويضمن حديثه ذكر حوار قاله أحدهم خاص بك، مترددا في استكماله خوفا على مشاعرك.

وينهي كلامه بأسفه لنقله لتفاصيل الحوار الملفقة، لكنه نقلها حتى تنتبه، تاركا إياك بين مشاعر الغضب، والرغبة في الانتقام عما قيل عنك.

وهنا تأتي حنكة القائد، فهو يرى صفات الفتان بالضبط هي صفات الثعبان، اذ يتميز بنشاطه، يعتمد على قوة فكه، ولسانه من أجل التقاط الفرائس، وهذا بالضبط ما يفعله الموظف الفتان فلسانه هو سلاحه.

تقتل الثعابين السامة فرائسها عبر حقن السم من خلال أسنانها في مرحلة لدغ الفريسة، مما يسبب شللهم، وهذه المرحلة هي المرحلة الوسطى التي ذكرناها مسبقا.

تستطيع الأفاعي تلوين أجسادها، وذلك في سبيل التكيف مع البيئة، وهذا ما يفعله هذا الموظف، فهو ينتقل من شخص الى آخر ممجداً هذا وذاك.

وكما قيل في الأثر، “الفتنة نائمة لعن الله من أيقظها”، فوجود هذا النوع من الأشخاص ضمن فريق العمل هو ابتلاء للمؤسسة بعامة، وللمسؤول المباشر ولزملائه بخاصة، فبعد سبب انعدام التربية السوية لهذا الانسان، يأتي عامل الغيرة والتنافس غير الشريف، والرغبة في التحكم والسيطرة على الأمور لتحقيق مصالحه الشخصية.

وجميع هذه العوامل هي ترسبات خلل في سلوكه بسبب عقده نفسية، أو نتيجة أحداث سابقة محبطة متراكمة، أو لنقص في تكوين الشخصية، وغالبا ما تكون جميع الأسباب مجتمعة.

ومرة أخرى؛ بعيدا عن سبل الوقاية -التي ذُكرت في أبحاث المهتمين- من هذا الثعبان، يقع على عاتق القائد تذكير نفسه باستمرار بأخلاق هذا الموظف، وكلما تلّون جلده أعاده القائد إلى اللون الأصلي، حتى لا ينخدع به، ولنا في المشاهد الوثائقية موعظة وعبرة، فكم من ثعبان غرس أنيابه في جسد مدربه.

لذلك؛ وإن كان وجود الموظف الفتان ضمن أعضاء الفريق شر لا بد منه، فعلى القائد تحقيق الاستفادة القصوى من نشاطه في انجاز الأعمال، وتحجيمه في الوقت ذاته، ومع مرور الوقت، وبما انه لن يستطيع لدغ أي أحد من أعضاد الفريق، سينشر سمومه داخل نفسه، وكما قال عبدالله ابن معتز: “اصبر على كيد الحسود فإن صبرك قاتله، كالنار تأكل بعضها إن لم تجد ما تأكله”.

0 views0 comments

Recent Posts

See All

اربط الحمار وين ما يبي المسؤول!

للمرة الاولى أكون في حيرة من أمري عن الموضوع الذي سأتناول بمساحتي في “السياسة”، هل أكتب عن القيم المستفادة خلال العام المنصرم، أم عن كيفية بداية عامٍ جديد؟ لكنني وجدت نفسي أكتب عن تجربة حقيقية مررت به

قيادي مع وقف التنفيذ

يقول الدكتور غازي القصيبي، رحمه الله، في كتابة “الوزير المرافق” عن الرئيس الأميركي السابق جيمي كارتر “لا يبالغ المرء إذا قال إن كارتر كان يقضي وقتاً طويلاً يندر أن يستطيع رئيس دولة أخرى يقاربه، لو أن

Comments


bottom of page