top of page
Search
  • Writer's pictureAfrah Alsaeedi

“شماعة” أشباه القياديين

“كليلة ودمنة”، من أبرز المؤلفات التي سُجلت على مر التاريخ، وقد اختلف العلماء في أصل الكتاب، لكن أجمع الباحثون على أن هذا الكتاب هندي الأصل، تُرجم للعديد من اللغات، منها الفارسية والعربية. ويرجع سبب شهرة الكتاب الى أسلوب الكاتب، الذي جعل شخصيات الكتاب “في ظاهرها” تتمحور حول الحيوانات، بطابع سهل وفكاهي، وفي باطنها هي وصف لعلاقة الحاكم والمحكوم (القيادي والمسؤولين)، وكيفية التواصل بينهما، وهذا أسلوب فريد من العالم الهندي مؤلف الكتاب بيدبا، الذي تعمد استخدام أسلوب مبتكر يجذب القارئ.

ومن خلال قراءتي للكتاب، استشفيت أن ما جاء به ينطبق على جميع من تربطهم علاقة هرمية، أي ينطبق على العلاقة بين القيادي والاشرافي والرئيس، ومن يتبعونهم بسبب التدرج الوظيفي خصوصا في القطاع الحكومي. وقد ذكر الكتاب قول العلماء: “أربعةٌ لا ينبغي أن تكون في “القياديين”، الغضب فإنه أجد الأشياء مقتاً؛ والبخل فإن صاحبه ليس معذورا مع ذات يده؛ والكذب فإنه ليس لأحدٍ أن يجاوره؛ والعنف في المحاورة فإن السفه ليس من شأنها”. إن كون القيادي قد اختير من الدولة لقيادة مؤسسة ما، لا يعطيه هذا الاختيار الحق، ولا الصلاحية في صب غضبه على المسؤولين، ولا الموظفين في المؤسسة، لان الجميع فيها عاملين في الحكومة مع اختلاف المسميات والمناصب، ولا يحق له صد ترقية أو مكافأة عن أحدهم لأن القيادي “ما يشتهيه”. ولا يحق له الكذب، واللف، والدوران، وخلق الأعذار، بل لا بد أن يصارح فريق العمل، وأخيرا، لا يحق له الغضب، وعدم احترام الآخرين. إن يمارسه بعض القياديين، وبخاصة بعد رحيلهم وتركهم كرسي القيادة، من الافتراء على فريق العمل، وخلق أعذار للفشل، وإيجاد ضحية وكبش فداء، لإلقاء اللوم عليه كـ”الشماعة”، فهو أمر لا يرقى الى مواصفات شخص قد اختير للقيادة، لأن للمؤسسة كيان وتاريخ وشرفاء بنوا تاريخها، الذي هُتك عبر أمثال هؤلاء “أشباه” القياديين الذين فشلوا باستكمال المسيرة.

وكان الأجدر بهم وبعد رحيلهم الأخذ بنصيحة البطتين للسلحفاة التي ذكرها الكاتب في كتاب “كليلة ودمنة”، اذ ورد فلي الكتاب “أن هناك غدير فيه بطتان وسلحفاةٌ، بينها وبين البطتين مودةٌ وصداقةٌ، فجاءت البطتان لوداع السلحفاة لأن قد نقص الماء في الغدير، وقالتا: السلام عليك، فإننا ذاهبتان عن هذا المكان لأجل نقصان الماء عنه، فقالت: إنما يبين نقصان الماء على مثلي: فإني كالسفينة لا أقدر على العيش إلا بالماء، فأما أنتما فتقدران على العيش حيث كنتما فاذهبا بي معكما، قالتا لها: نعم، قالت: كيف السبيل إلى حملي؟ قالتا: نأخذ بطرفي عودٍ، وتتعلقين بوسطه؛ ونطير بك في الجو، وإياك إذا سمعت الناس يتكلمون، أن تنطقي، ثم أخذتاها فطارتا بها في الجو فقال الناس: عجبٌ: سلحفاة بين بطتين، قد حملتاها فلما سمعت ذلك قالت: فقأ الله أعينكم أيها الناس، فلما فتحت فاها بالنطق وقعت على الأرض فماتت”، الحكمة من القصة إن رغم الخير الذي فعلته البطتان بحملها، ورغم نصحهما للسلحفاة، إلا أنها التفتت للآخرين، وعجلت بنهايتها، ليس بسبب نقص الماء بالغدير، بل لسلاطة لسانها. وختاما، استذكر قول الشاعر عندما قال في مكارم الأخلاق:

وترى الكريم إذا تقضى وده

يُخفي القبيح ويُظهر الإحسانا

وترى اللئيم إذا تصرم حبله

يُخفي الجميل ويُظهر البهتانا



جريدة السياسة - ١٩ نوفمبر ٢٠٢٣

1 view0 comments

Recent Posts

See All

اربط الحمار وين ما يبي المسؤول!

للمرة الاولى أكون في حيرة من أمري عن الموضوع الذي سأتناول بمساحتي في “السياسة”، هل أكتب عن القيم المستفادة خلال العام المنصرم، أم عن كيفية بداية عامٍ جديد؟ لكنني وجدت نفسي أكتب عن تجربة حقيقية مررت به

قيادي مع وقف التنفيذ

يقول الدكتور غازي القصيبي، رحمه الله، في كتابة “الوزير المرافق” عن الرئيس الأميركي السابق جيمي كارتر “لا يبالغ المرء إذا قال إن كارتر كان يقضي وقتاً طويلاً يندر أن يستطيع رئيس دولة أخرى يقاربه، لو أن

Comments


bottom of page