top of page
Search
  • Writer's pictureAfrah Alsaeedi

وقد خاب المستشار

Updated: Dec 2, 2023

عندما قرأت ملكة سبأ بلقيس كتاب سيدنا سليمان (عليه السلام) قالت -وكما قصه الله علينا في كتابه العزيز-: “قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِين”، أي عندما تلقت الخطاب جمعت الملأ، والأشراف، وكبار القوم في مملكتها، وطلبت منهم النصح والمشورة، والتصرف المناسب لدعوة سيدنا سليمان، وقد قدم المستشارون النصيحة، والقرار متروك لها، وإن كانت بلقيس قد علمت ب


أهمية الشورى، فكان الأجدر بنا أن نأخذ بها كمسلمين “وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ”. هذا دليل على قِدم المشورة وصحتها وأهميتها، وهناك فرق بين المشورة (Advising)، والاستشارة (Consulting)، أي هناك فرق المستشار والاستشاري. في المؤسسات المتقدمة، المستشارون هم من يتولى القيادة، ويستمرون في مناصبهم فترات طويلة في سبيل تحقيق الأهداف الكبيرة بعيدة المدى، بينما الاستشاري يعالج مشكلة محددة بشكل عميق، لذلك الشركات الصغيرة تستعين بالاستشارات لتحسين أدائها، كخدمة العملاء أو زيادة المبيعات، كما أن هناك فرقا بين المستشار والسكرتير الخاص، فالأول هو دليل المعرفة للمؤسسة، أما الآخر فهو مساعد شخصي لقائد المؤسسة. إن وظيفة كل من المستشار والاستشاري تكليف، وليس تشريفا، اذ يقع على عاتق كليهما مسؤولية النهوض بالمؤسسة، وحفظ حقوق ومصالح جميع من هم ذات الصلة وأص


حاب العلاقة، ولو أسقطنا الضوء علي المستشار ومهامه لوجدناها مهمة وضرورية، كتوفير المعلومة الدقيقة والصحيحة في الوقت المناسب، تقديم المشورة الابتكارية والجديدة، توقع الحلول للمشكلات قبل حدوثها، الحفاظ على بيئة عمل صحية، والأهم، لا بد أن يكون عنصر مساعدة للقياديين في المؤسسة وليس عنصر تأزيم. أما ما يحدث في يومنا هذا من تعينات “أغلب” المستشارين في القطاع الحكومي، هو المعنى الحقيقي لعلامة التعجب، اغلبهم مستشارين بلا تخصص محدد، يصطنع المعرفة بجميع الأمور الفنية والإدارية الداخلية بالمؤسسة، يحدد مصيرها ومصير قياديها، وفق مصالحه الشخصية، يسيطر على القيادي لضمان استمراريته كمستشار، كما أن طريقة اختيار المستشارين غير دقيقة، ليست وفق ضوابط وأسس، رغم قيام ديوان الخدمة المدنية بوضع معايير للمستشار كشرط الخبرة، والعمر والتخصص، وجميع هذه


الشروط مجرد بيانات تُذكر في السيرة الذاتية للمرشح، وتغافل الديوان عن إنجازات الفرد الفعلية في محيط وظيفته وخارجها. فخلال مسيرتي العملية لم أر مستشاراً هندسياً كان مدير مشاريع ناجحة، ولم أر مستشاراً إعلامياً خريج شارع الصحافة، ولم أر مستشارا بالسلوك المؤسسي متخصصاً بالموارد البشرية، ولا مستشار قانونياً ترافع أمام القضاة، أغلب من رأيت من مستشارين تربطهم علاقة شخصية مع القيادي أو كان مستشار لصديق سابق، أو بناء على صفقات سياسية بين الوزراء وأعضاء البرلمان، وهؤلاء بمجرد حصولهم على لقب مستشار للمرة الاولى، يتمسكون به لآخر العمر، كما أنه أحيانا يكون سبب تعيين المستشارين غير المتخصصين من خارج المؤسسة، هو تنفيذ أجندة خاصة لم يستطع القيادي تنفيذها. وفي المقابل، هناك من هم متفانون في تقديم الاستشارة، يستحقون لقب المستشار، من ذوي الخبرة والعلم والمعرفة، سواء من داخل المؤسسة أو خارجها، لكنهم قلة في عالم المستشارين؛ لأنهم أصحاب مبدأ لا يقومون بتنفيذ مخططات الغير، ولا الاستفادة الشخصية، وإن كان لتعارض المصالح وجود فضلوا الانسحاب على الاستمرار، هم قلة لأنه لا


تجمعهم علاقة مع المتنفذين، بل منهمكين بالعمل والانجاز، والقيادي الناجح هو من يستعين بهؤلاء لأنهم هم سبب نجاحه، ونجاح المؤسسة. كل قيادي يتولى مؤسسة ويستعين بمستشار ليس كفؤا يتسبب بالدمار والهلاك لها ولمنتسبيها، والمؤلم بالموضوع عندما يغادر غير مأسوف عليه، يُرجع أسباب فشله في القيادة لفساد أبناء المؤسسة، يجعل حديثة في المجالس و”الدواويين” عن جولاته في محاولة الإصلاح والأصل في الشيء هو الفاسد؛ لأن بتعيينه مستشارا "منشار" شارك في الفساد، حتى لو لم يزد رصيده ديناراً.




جريدة السياسة الكويتية - ١٢ نوفمبر ٢٠٢٣




39 views0 comments

Recent Posts

See All

اربط الحمار وين ما يبي المسؤول!

للمرة الاولى أكون في حيرة من أمري عن الموضوع الذي سأتناول بمساحتي في “السياسة”، هل أكتب عن القيم المستفادة خلال العام المنصرم، أم عن كيفية بداية عامٍ جديد؟ لكنني وجدت نفسي أكتب عن تجربة حقيقية مررت به

قيادي مع وقف التنفيذ

يقول الدكتور غازي القصيبي، رحمه الله، في كتابة “الوزير المرافق” عن الرئيس الأميركي السابق جيمي كارتر “لا يبالغ المرء إذا قال إن كارتر كان يقضي وقتاً طويلاً يندر أن يستطيع رئيس دولة أخرى يقاربه، لو أن

コメント


bottom of page